فخر الدين الرازي

214

تفسير الرازي

والسلام : " ليس في المال حق سوى الزكاة " فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . البحث الثالث : قوله تعالى : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ) * بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنخل ، والزيتون ، والرمان ؛ يدل على وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله . فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكل وأيضاً الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه . البحث الرابع : قال أبو حنيفة رحمه الله : العشر واجب في القليل والكثير . وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، فقال : قوله : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ) * يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . أما قوله تعالى : * ( ولا تسرفوا ) * فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين : الأول : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . الثاني : قال شمر : سرف المال ، ما ذهب منه من غير منفعة . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فأنزل الله تعالى قوله : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا ) * أي ولا تعطوا كله . والثاني : قال سعيد بن المسيب : * ( لا تسرفوا ) * أي لا تمنعوا الصدقة ، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء ، والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضاً من باب المجاوزة ، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهباً ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً . ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً . وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له : لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ، فإن من أنفق